الشيخ محمد رشيد رضا
27
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هو الغالب ، كما عبر به في مثل قوله ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) * وهو يعم كل ما ينتفع به من طعام وشراب ولباس ومتاع ومأوى . وكثيرا ما تطلق العرب الخاص فتريد به العام ، وما تطلق العام فتريد به الخاص ، ويعرف ذلك بالسياق والقرائن الامر ههنا للوجوب لا للإباحة ، فهو ليس من الامر بالشيء بعد النهي عنه المفيد للإباحة فقط كقوله ( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ) وإنما هو تصريح بأن امتثال النهي عن تحريم الطيبات لا يتحقق الا بالانتفاع بها فعلا ، إذ ليس المراد بتحريمها المنهي عنه تحريمها بمجرد القول أو بالاعتقاد ، بل المراد به أولا وبالذات الامتناع منها عمدا تقربا إلى اللّه تعالى بتعذيب النفس وحرمانها ، أو إضعافا للجسد توهما أن إضعافه يقوي الروح ، أو لغير ذلك من الأسباب والعلل ، كمن يحرم على نفسه شيئا بنذر لجاج أو يمين ، وكل هذا مما لا يزال يبتلى به كثير من المسلمين . دع ما كانت تحرمه الجاهلية على أنفسها من الانعام أو نسلها تكريما لها لكثرة نتاجها ، أو تعظيما لصنم تسيبها له . كما تراه مبينا في سورة الأنعام التي بعد هذه السورة . وحكمة النهي عن ذلك ان اللّه تعالى يحب من عباده ان يقبلوا نعمه ويستعملوها فيما أنعم بها لأجله ، ويشكروا له ذلك ، ويكره لهم ان يجنوا على الفطرة التي فطرهم عليها ، فيمنعوها حقوقها ، وان يجنوا على الشريعة التي شرعها لهم فيغلوا فيها بتحريم ما لم يحرمه ، كما يكره لهم ان يفرطوا فيها باستباحة ما حرمه أو ترك ما فرضه . ولأجل هذه الحكمة لم يكتف بالنهي عن تحريم الطيبات ، حتى صرح بالامر باستعمالها والتمتع بها . وقد بين تعالى غاية ذلك وحكمته التي أشرنا إليها بقوله ( 2 : 172 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) والشكر يكون بالقول والعمل ، ولذلك قارن النبي ( ص ) بين هذه الآية في خطاب المؤمنين ، وما في معناها من خطاب المرسلين ، فقال « ان اللّه طيب لا يقبل الا طيبا ، وان اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال ( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب - ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، فأنّى يستجاب له » رواه أحمد ومسلم